الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
83
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الزمان مأخوذا في مفهومه على سبيل التضمن ولذا احتمل بعضهم اختلاف مذهبي أهل العربية والأصول دلالة المشتقات على الزمان وهو توهم ضعيف إذ ليس في كلام أهل الأصول ما يومي إلى كون الزمان مدلولا تضمنيا للمشتقات كما ستعرف ذلك من ملاحظة أقوالهم وأدلتهم في المقام والأظهر أنه لا كلام في عدم دلالتها على الزمان على سبيل القيدية أيضا بأن يكون قد أخذ أحد الأزمنة الثلاثة قيدا في مدلولها بحسب الوضع فيكون ما وضعت بإزائها هو الذات المتصفة بحسب الوضع فيكون بالمبدأ مقيدا بكون الاتصاف في الحال على أن يكون القيد خارجا والتقييد داخلا لما عرفت من أن القائل بكونها حقيقة في الماضي لا يقول بدلالتها على الزمان أصلا وإنما يعتبر في مفهومها تحقق الاتصاف في الجملة وليس اشتراكها بين الماضي والحال لتكون دالة على الزمان واحتجاجهم على ذلك بتحقق استعمالها في الأزمنة فظاهر الاستعمال يقتضي كونها حقيقة في الكل خرج الاستقبال بالإجماع فيبقى الباقي لا دلالة فيه على ذلك إذ المقصود عن ذلك إطلاق اللفظ باعتبار الاتصاف في الماضي أو الحال والاستقبال لا استعماله في خصوص كل من تلك الأزمنة كيف ولو أريد ما يتراءى من ظاهره لكانوا قائلين باندراج الزمان في مدلولها على سبيل التضمن كما في الأفعال وقد عرفت وضوح فساده فمحصّل استدلالهم أنها قد أطلقت على الذات المتصفة بالمبدأ بها في أي من الأزمنة الثلاثة وحيث ما دل الدليل على كونها مجازا باعتبار الاتصاف اللاحق فالأصل المذكور يقتضي كونها حقيقة باعتبار الاتصاف الحاصل سواء كانت في الماضي أو الحال وذلك مما لا ربط له بدلالتها على الزمان على نحو الشطرية أو الشرطية كما لا يخفى مضافا إلى ما عرفت من عدم ظهور قائل باشتراك المشتقات لفظا بين المعنيين وقد صرح جماعة من القائلين بكونها حقيقة في الماضي بكونها حقيقة في القدر المشترك وسيظهر لك من ملاحظة أدلتهم إن شاء الله وأما القائلون بكونها حقيقة في الحال فلم يريدوا بذلك إلا كونها حقيقة في الذوات المتصفة بالمبدأ على أنها يكون اتصافها به حاصلا متحققا فمهما أطلقت على ذات لا بد من اتصافها بذلك المبدإ في الحال الملحوظ في ذلك الإطلاق وأين ذلك من دلالتها على الزمان وأخذ الزمان قيدا في مدلولها كالحال فيها نظير الحال في الجوامد فإنها إنما تصدق على مصاديقها مع صدق مفاهيمها عليها في الحال وسيجيء توضيح الحال فيها إن شاء الله على أنك قد عرفت أن الحال المذكورة هي حال التلبس وليست بالحال المعدود من أحد الأزمنة وإن اندرجت فيها في بعض الاعتبارات فجعل النزاع في المقام في كون الحال قيدا فيها وضعت بإزائه على القول بكونها حقيقة في الحال ليكون الحال إذن مدلولا التزاميّا بيّنا بالمعنى الأخص للمشتقات فيكون دلالتها عليه على نحو دلالة العمى على البصر وعدمه على القول الآخر لكون مجرد الاتصاف ولو في الماضي كافيا في صدقها عندهم كما يوجد في كلام بعض الأفاضل ليس على ما ينبغي إذ لا دلالة في كلام القائلين بكونها حقيقة في الحال على ذلك لإمكان تصحيحه على ما قلناه بل واستظهاره من كلماتهم حسبما سنقرره إن شاء الله فظهر مما قررناه أنه لا ربط للنزاع المذكور بأخذ الزمان في مفاهيم المشتقات على سبيل التضمن أو التقييد ولا يلزم اعتبار شيء من الوجهين في شيء من الأفعال المذكورة في المسألة ولا معارضة بين كلمات علماء الأصول وما ذكره النحاة من عدم دلالتها على الزمان وما صرح به علماء البيان من عدم إفادتها التقييد بأحد الأزمنة الثلاثة حسبما حكي عنهم ثالثها أن المشتقات التي وقع النزاع فيها في المقام يعم أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة وأسماء التفضيل والأوصاف المشتقة كالأحمر والأخضر والحمراء والصفراء ونحوها من الصفات وربما يقال بخروج اسم المفعول من محل البحث وكذا الصفة المشتبهة واسم التفضيل لظهور الوضع للأعم في الأول وبخصوص الحال في الأخير ويضعفه إطلاق كلمات الأصوليين من غير إشارة منهم إلى تخصيص النزاع باسم الفاعل والتعبير الغالب في كلماتهم بلفظ المشتق الشامل للجميع وقد فرع غير واحد من الأفاضل على المسألة كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس بعد زوال حرارته مع أنه من قبيل اسم المفعول ثم إن ظاهر كلماتهم تعميم النزاع فيها لسائر أحوالها وأنواعها من غير تقييد لمحل البحث ببعض صورها إلا أنه قد وقع تقييد النزاع ببعض الصور في كلمات جماعة من المتأخرين على وجوه شتى منها ما ذكره التفتازاني من أن النزاع في اسم الفاعل الذي بمعنى الحدوث لا في مثل المؤمن والكافر والنائم واليقظان والحلو والحامض والحر والعبد ونحو ذلك مما يعتبر في بعضها الاتصاف به مع عدم طريان المنافي وفي بعض الاتصاف بالفعل البتة ومنها ما ذكره الشهيد الثاني طاب ثراه والأسنوي وجماعة من المتأخرين من اختصاص النزاع بما إذا لم يطرأ على المحل ضد وجودي للوصف الزائل وأما مع طريانه فلا كلام في عدم صدق المشتق على سبيل الحقيقة وحكي عن الرازي في المحصول دعوى الاتفاق على المجازية حينئذ قال بعض الأفاضل المتأخرين ولم نجد ذلك في المحصول ولا في كلام علماء الأصول ومنها تخصيص النزاع بما إذا كان محكوما به وأما إذا كان محكوما عليه فلا كلام في صدقه مع الزوال وقد حكي التخصيص المذكور من الشهيد الثاني والغزالي والأسنوي وهذا التخصيص من جانب القائل باشتراط البقاء كما أن الأولين من جانب القائلين بعدمه ويضعف جميع هذه التقييدات إطلاق كلماتهم في المسألة وعدم تعرض أحد من المتقدمين للتقييد بل وكذا جماعة من المتأخرين وتصريح جماعة منهم بأن تلك التقييدات إنما نشأت من المتأخرين وليس هناك تعرض في كلام الأولين ويشهد له ملاحظة أدلتهم في المسألة حيث استندوا فيها إلى ما هو من قبيل ما أخرجوه من محل البحث ومنه حيث التجاء كل من الفريقين إلى التخصيص حيث ضاق به الخناق في الحكم بالإطلاق ورأوا ظهور فساد القول بإطلاق الاشتراط أو عدمه فبنوا على خروج ذلك عن محل البحث وكيف كان فمع البناء على الإطلاق في محل البحث كما هو الظاهر يكون التخصيصات المذكورة في بعض الوجوه تفصيلا في المسألة إذا تقرر ذلك فنقول المعروف بين الأصوليين في المقام قولان أحدهما عدم اشتراط بقاء المبدإ في صدق المشتق وهو المعروف بين أصحابنا وقد نص عليه العلامة رحمه الله في عدة من كتبه والسيد العميدي والشهيد والمحقق الكركي وعزاه جماعة إلى أصحابنا الإمامية مؤذنين باتفاقهم عليه منهم السيد العميدي والشهيد الثاني وأسنده في المبادي إلى أكثر المحققين وفي المطول إلى الأكثر وقد ذهب إليه كثير من العامة منهم عبد القاهر الشافعي ومن تبعه وحكي ذلك من الجبائي والمعتزلي وعزي إلى ابن سينا وغيره ثانيهما القول باشتراط البقاء وعزي إلى الرازي والبيضاوي والحنيفة وحكاه في النهاية عن قوم وحكى هناك قول ثالث وهو اشتراط البقاء